الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

177

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ثم لم يزل الاعتناء في هذه السورة بالمقارنة بين رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ورسالة موسى - عليه السلام - إقامة للحجة على المشركين الذين كذبوا بالرسالة بعلة أن الذي جاءهم بشر ، وللحجة على أهل الكتاب الذين ظاهروا المشركين ولقنوهم شبه الإلحاد في الرسالة المحمدية ليصفو لهم جوّ العلم في بلاد العرب وهم ما كانوا يحسبون لما وراء ذلك حسابا . فالمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات على رسالته . وهذا مثل التنظير بين إيتاء موسى الكتاب وإيتاء القرآن في قوله في أول السورة وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ الإسراء : 2 ] الآيات ، ثم قوله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] . فتكون هذه الجملة عطفا على جملة قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 93 ] أو على جملة قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي الآية [ الإسراء : 100 ] . ثم انتقل من ذلك بطريقة التفريع إلى التسجيل ببني إسرائيل استشهادا بهم على المشركين ، وإدماجا للتعريض بهم بأنهم ساووا المشركين في إنكار نبوءة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ومظاهرتهم المشركين بالدس وتلقين الشبه ، تذكيرا لهم بحال فرعون وقومه إذ قال له فرعون إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً . والخطاب في قوله : فَسْئَلْ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم . والمراد : سؤال الاحتجاج بهم على المشركين لا سؤال الاسترشاد كما هو بين . وقوله : مَسْحُوراً ظاهره أن معناه متأثرا بالسحر ، أي سحرك السحرة وأفسدوا عقلك فصرت تهرف بالكلام الباطل الدال على خلل العقل ( مثل الميمون والمشئوم ) . وهذا قول قاله فرعون في مقام غير الذي قال له فيه يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ [ الشعراء : 35 ] ، والذي قال فيه إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ، [ الشعراء : 34 ] فيكون إعراضا عن الاشتغال بالآيات وإقبالا على تطلع حال موسى فيما يقوله من غرائب الأقوال عندهم . ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ [ الشعراء : 25 ] . وكل تلك أقوال صدرت من فرعون في مقامات محاوراته مع موسى - عليه السلام - فحكي في كل آية شيء منها .